الشريف الجرجاني

55

الحاشية على الكشاف

وإن لم يكن مطلقا عليها كأنها آحاد مفردة المقدر ، وعلى هذا فالعالمون بمنزلة جمع الجمع ، فكما أن لفظ الأقاويل يتناول كل واحد من آحاد الأقوال ، كذلك العالمون يتناول كل واحد من آحاد الأجناس ، فقوله يشمل كل جنس : أي أفراد كل جنس من الأجناس المسماة به ، ومن الناس من حل كلامه على شمول الأجناس أنفسهما توهما من ظاهر العبارة ولم يرتض إرادة شمول أفرادها بناء على أن العالم لا يطلق عليها ، فقرر الجواب بأنه لو أفرد لتبادر منه هذا العالم المشاهد بشهادة العرف فجمع ليشمل كل جنس سمى بالعالم وهما مدخولان : أما الأول فلأن المقام يقتضى ملاحظة شمول آحاد الأشياء المخلوقة كلها ، ويشهد بذلك قوله ههنا مالكا للعالمين لا يخرج منهم شئ عن ملكوته ، وقوله في تفسير - وما الله يريد ظلما للعالمين - نكر ظلما وجمع العالمين ، على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه ، وقد بينا لك آنفا وجه شمولها . وأما الثاني فلأن المقابل للعالم المشاهد العالم الغائب ، فإذا كان الإفراد موهما أن المقصود هو الأول فقط ناسب أن يثنى ليتناولهما معا فإن لكل مندرج فيهما . وربما يقال تلخيص الجواب أنه لما قصد ههنا شمول الأجناس وشمول أفرادها مبالغة اختير لفظ ينبئ عن تناول المتعدد بوجهين فالجمعية لشمول الأجناس بمساعدة التعريف ، والتعريف لشمول الأفراد بمعونة المقام ، فالمعنى : رب كل جنس من الأجناس ورب كل فرد منه ، وقيل في توجيه نظم القرآن إن التعريف للاستغراق والجمع للدلالة على أن العالم أجناس مختلفة كما قيل في جمع السماوات وتوحيد الأرض . وبيان المناسبة أن الحقائق المختلفة إذا اشتركت في مفهوم اسم ، فهي من حيث اختلافها تقتضى أن يعبر عن كل واحد بلفظ على حدة ، ، ومن حيث اشتراكها في ذلك المفهوم تقتضى أن يعبر عن الكل بلفظ واحد فروعي الجهتان بصيغة الجمع فإنها لفظة واحدة صورة وألفاظ متعددة معنى ، ولو أفرد وقيل رب العالم لم يعلم أن الربوبية شاملة لأجناس مختلفة . ومن أراد الاستقصاء في مباحث استغراق المفرد والجمع منكرا أو معرفا فعليه بكتابنا المسمى بالمصباح في شرح المفتاح . لا يقال قد اشتهر في كلامهم أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فما منشؤه وما الحق فيه . لأنا نقول : أما منشؤه فهو أن المفرد إذا عم استغراق أفراد مدلوله ، أعني الآحاد فلا يخرج عنه شئ من تلك الآحاد ، فعلى هذا القياس إذا عم الجمع ينبغي أن يستغرق أفراد مدلوله أعني الجموع ، وذلك لا ينافي أن يخرج منه واحد مطلقا على كل قول أو اثنان على قول ، ومن هنا قال ابن عباس : الكتاب أكبر من الكتب ، وبينه المصنف بأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وجدان الجنس كلها لم يخرج منه شئ ، وأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه معنى الجنسية من الجموع ، وإذا كان معنى الجمع المستغرق كل جمع جمع فلو أثبت له حكم فهم إثباته للمجموع ، فإن كان من الأحكام التي يستلزم ثبوتها لكل فرد منهم فهم ثبوته للآحاد وإلا كانت باقية على الاحتمال ، وأما الحق فهو أن هذا